الشيخ محمد علي طه الدرة
367
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
وجوب اتباعه ، والإيمان به . مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ ليتبعوه ، ويهتدوا به ، ويسيروا على نهجه . والذين كتموا هم : أحبار اليهود ، ورهبان النصارى ، كتموا أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم مع أن الإنجيل ، والتوراة قد أمرهم باتباع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وموسى ، وعيسى - على نبينا ، وعليهما ألف صلاة وألف سلام - قد بشرا به ، قال تعالى في سورة ( الأعراف ) : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ رقم [ 157 ] . فِي الْكِتابِ المراد : التوراة . أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ أي : الملائكة ، والمؤمنون ، أو كلّ شيء في السّموات ، والأرض ، ويكونون قد جمعوا جمع من يعقل بالواو ، والنون ؛ لأنه أسند إليهم فعل من يعقل : كقوله تعالى حكاية عن قول يوسف - على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام - : رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ولم يقل : ساجدات . ومثله كثير ، فهو من باب التغليب . هذا ؛ واللعن : الطرد ، والإبعاد من رحمة اللّه تعالى ، ولقد كرّر اللّه لعن الكافرين في هذه الآية ، كما لعن الظّالمين ، والكاذبين ، والمنافقين النّاقضين للعهد ، والميثاق في آيات متفرقة ، وهو دليل قاطع على أنّ من مات على كفره ؛ فقد استحقّ اللّعن من اللّه ، والملائكة ، والناس أجمعين ، وأمّا الأحياء من الكفار ؛ فقد قال بعض العلماء : لا يجوز لعن كافر معين ؛ لأنّ حاله لا يعلم عند الوفاة ، فلعلّه يؤمن ، ويموت على الإيمان ، وقد قيّد اللّه في الآية التالية إطلاق اللعنة على من مات على الكفر ، ويجوز لعن الكفار جملة بدون تعيين ، كما في قولك : لعن اللّه الكافرين ، يدل عليه قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لعن اللّه اليهود حرّمت عليهم الشّحوم ، فجمّلوها ، وباعوها » . وذهب بعضهم إلى جواز لعن إنسان معيّن من الكفار بدليل قتاله . وهو الصّحيح ، كيف لا ؟ وقد لعن حسان بن ثابت - رضي اللّه عنه - أبا سفيان ، وزوجه هندا في شعره ، ولم ينكر عليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . خذ قوله : [ السريع ] لعن الإله وزوجها معها * هند الهنود طويلة البظر وقد لعن الفاروق - رضي اللّه عنه - أبا سفيان ، وعكرمة بن أبي جهل ، وأبا الأعور السلمي ، وغيرهم ؛ الذين قدموا المدينة المنورة بعد غزوة أحد ، وقد أعطاهم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم الأمان على أن يكلّموه ، فقام معهم جماعة من المنافقين ، وقالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : ارفض ذكر آلهتنا بسوء ، وقل : إنّ لها شفاعة لمن عبدها ، وندعك وربك . فشقّ ذلك على سيد الخلق ، وحبيب الحق صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال الفاروق - رضي اللّه عنه - : يا رسول اللّه ائذن لي في قتلهم ، فقال : إني أعطيتهم الأمان ، فقال الفاروق - رضي اللّه عنه - : اخرجوا في لعنة اللّه ، وغضبه ؛ ولم ينكر عليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك . كيف لا ؟ وآية النور رقم [ 7 ] تأمر المسلم أن يلعن نفسه ؛ إن كان من الكاذبين . وأما العصاة من المسلمين لا يجوز لعن واحد منهم على التعيين قطعا ، وأما على الإطلاق فيجوز ، كما في قولك : لعن اللّه الفاسقين ، والفاسقات ، والفاسدين ، والفاسدات ، والخبيثين ،